الحرب تُنعِش قطاعاتٍ اقتصادية في الشمال: استفادة "ظرفية ومحدودة"! -- Jun 30 , 2026 9
ظلّت مدينة طرابلس وسائر مناطق الشمال طيلة فترة الحرب بمنأى عن النيران الإسرائيلية، ما حوّلها إلى مقصدٍ للنازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. ورغم أن قطاعات اقتصادية واسعة لم تسلم من تداعيات الحرب، فإن قطاعات محددة استفادت من الطلب الذي ازداد بفعل النزوح.
كثيرٌ من النازحين، مثلاً، آثروا استئجار شقق مفروشة. فانعكس ذلك إيجاباً على قطاع العقارات، إلى حدّ أن بعض الملّاك سارعوا إلى تأثيث شقق فارغة يملكونها، لرفع بدلات الإيجار. كما تمّ التسويق للمعروض عبر لوحات إعلانية انتشرت في الطرقات، فضلاً عن تلك التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وانتعش أيضاً قطاع المطاعم، فيما انتقل إلى طرابلس عدد غير قليل من محلات تجارية معروفة في المناطق التي كانت تتعرض للتدمير، ما نشّط من الحركة التجارية في المدينة. كما حقق قطاع مولدات الكهرباء الذي لا يزال تتحكم فيه المزاجية والفوضى، رغم القرارات
والتدابير والإجراءات الرسمية، أرباحاً ملحوظة. كذلك، ازدادت حركة استيراد السيارات عبر مرفأ طرابلس، بعد تجنب التجار لمرفأ بيروت.
الأرباح ليست نمواً
يُعلّق رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي، توفيق دبوسي، على هذا الواقع، بأنه «لا يمكن التحدث عن اقتصاد لبناني يتقاسمه رابحون وخاسرون، لأن التجارب الاقتصادية المرتبطة بالحروب والنزاعات لها تأثيرات لا تتوزع بالتساوي بين مختلف القطاعات الاقتصادية. فبينما تتعرض قطاعات واسعة لخسائر مباشرة وغير مباشرة نتيجة تراجع الإنتاج والاستثمار وتعطل الأسواق، تنشأ في المقابل أنشطة اقتصادية تستفيد من الظروف الاستثنائية التي تفرضها الأزمات».
ويقول دبوسي إنه «لا يمكن اعتبار الأرباح التي حققتها بعض القطاعات خلال الحرب مؤشراً إلى نمو اقتصادي حقيقي أو إلى تحسن في البنية الاقتصادية الوطنية، بل تندرج ضمن إطار ما يُعرف في المقاربات الاقتصادية باقتصاد الأزمات أو اقتصاد الحرب، حيث تنتقل الموارد والإنفاق من مناطق متضررة إلى مناطق أكثر استقراراً، فتستفيد بعض الأنشطة من إعادة توزيع الطلب دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة فعلية في الإنتاج الوطني أو في القدرة الاقتصادية العامة للبلاد».
وفي هذا السياق، يعتقد دبوسي أن القطاع العقاري «برز كأحد أبرز المستفيدين من حركة النزوح الداخلي خلال فترات التصعيد الأمني. فقد أدى انتقال أعداد كبيرة من الأسر إلى مناطق أكثر أمناً إلى ارتفاع الطلب على الوحدات السكنية، سواء للإيجار أو الشراء، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار العقارات وبدلات الإيجار، ولا سيما في عدد من مناطق الشمال وجبل لبنان. كما نشطت أعمال الترميم والتأهيل والتجهيز السكني لتلبية الاحتياجات المتزايدة للوافدين الجدد، ما وفر حركة اقتصادية ملحوظة في هذا المجال».
كذلك، «استفادت تجارة المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من الزيادة السكانية المؤقتة التي شهدتها المناطق الآمنة. فارتفاع عدد المقيمين أدى تلقائياً إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية، الأمر الذي انعكس نمواً في أعمال المتاجر الكبرى ومؤسسات تجارة الجملة وشبكات التوزيع والخدمات اللوجستية».
ويشير دبوسي إلى أن «من بين القطاعات التي سجلت نشاطاً متزايداً أيضاً القطاع الصحي، إذ ارتفعت الحاجة إلى الخدمات الطبية والاستشفائية والدوائية نتيجة النزوح والضغوط الاجتماعية والصحية المرافقة للحرب. وقد استفادت المستشفيات الخاصة والمراكز الطبية والمختبرات والصيدليات من هذا الواقع، خاصة في المدن التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين أو كثافة سكانية متزايدة خلال الأزمة».
استفادة ظرفية
أظهرت الحرب وتداعياتها قدرة الشمال «على استقطاب جزء من النشاط التجاري والخدمي الذي انتقل من مناطق أكثر تأثراً بالأحداث»، يقول دبوسي. غير أن «هذه الاستفادة بقيت ظرفية ومحدودة الأثر على المدى الطويل. فالاقتصاد المحلي ما زال بحاجة إلى استثمارات إنتاجية كبرى في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والاقتصاد البحري، بما يسمح بتحويل المكاسب المؤقتة التي فرضتها الأزمة إلى فرص تنموية مستدامة قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتحقيق النمو الحقيقي».
وعليه، فإن التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان عموماً، وطرابلس والشمال خصوصاً، يتمثل في «كيفية الانتقال من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد التنمية والإنتاج، ومن الاستفادة المؤقتة من الظروف الاستثنائية إلى بناء قاعدة اقتصادية وطنية مستدامة قادرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية وتحويل الموقع الجغرافي والموارد البشرية إلى عناصر قوة ونمو طويل الأمد».
دموع الأسمر - الاخبار